لا فصاحة بعد القرآن،
فإن الله في آية واحدة ذكر خبرين وأمرين ونهيين وبشارتين
،*وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى*خبر،*
فَإِذَا خِفْتِ*إخبار لها بأن ذلك سيقع، وماذا ستعمل عنده،*أَ
نْ أَرْضِعِيهِالأمر الأول،*فَأَلْقِيهِ*الأمر الثاني،*
وَلَا تَخَافِي*النهي الأول،*وَلَا تَحْزَنِي النهي الثاني،*
إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ البشارة الأولى،*وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ*البشارة الثانية،*
وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ سورة القصص7.
وترى ما في القرآن من التقديم والتأخير مدهشاً، فعندما ذكر الثقلين في موضع قدم الإنس وفي موضع قدم الجن، فقال سبحانه:*قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا سورة الإسراء88.**
بينما قال في آية أخرى:*يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانفُذُوا لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ سورة الرحمن33.كلاهما في معرض التحدي، الأول: التحدي في الإتيان بمثل كلام الله، والثاني: التحدي أن ينفذوا يوم القيامة من حصار الملائكة التي تطوقهم، فلا يستطيع أحد أن يخترق؛ لأنه لا سلطان إلا سلطان الله هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيهْ سورة الحاقة29.لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ سورة الرحمن33. ولا سلطان لكم، فلماذا قدَّم الإنس في معرض التحدي بالقرآن للإتيان بمثل القرآن، وقدم الجن في معرض التحدي بالنفاذ من أقطار السماوات والأرض والهرب؟ الجواب: لأن الإنس في باب الفصاحة والبلاغة والبيان أقدر من الجن، ولذلك قال:*قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا سورة الإسراء88.بينما الجن أقدر من الإنس في النفاذية والاختراق والطيران ولذلك قدمهم في التحدي في الهرب والاختراق يوم القيامة فقال:*يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانفُذُوا لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ سورة الرحمن33.ترى الألفاظ التي اختيرت بعناية.
نوح عليه السلام قال عنه:*فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا سورة العنكبوت14.*ما قال: ألف سنة إلا خمسين، ولا قال: ألف سنة إلا خمسين سنة، وكلها أعداد ألف وخمسين، قال:*أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا، فلماذا كانت السنة تمييزاً للألف والعام تمييزاً للخمسين؟ من المعروف في لغة العرب أن كلمة السنة تأتي بمعنى الشدة والقحط،*(واجعلها عليهم سني كسني يوسف).*وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَونَ بِالسِّنِينَ سورة الأعراف130.قحط، وكانت المدة التي قضاها نوح في قومه سنوات شدة، قحط في عدد المدعوين الذين استجابوا، ما استجاب إلا قليل جداً، وكانت من قومه إيذاء وحصار، كرب وشدة، بينما كانت الخمسين التي قضاها بعد هلاكهم هو والذين نجو معه وآمنوا كانت سنوات طيبة، ولذلك عبر بالسنة هناك وبالعام هنا كما قال يوسف عليه السلام:ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ سورة يوسف49.
أنت ترى يا عبد الله: حسن اختيار الكلمات والعناية بذلك في التعبير عن الأمر الطيب والأمر السيئ.*اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ سورة الفاتحة6-7. ضاف الإنعام إلى نفسه*أَنعَمتَإضافة صريحة مباشرة،*غَيرِ المَغضُوبِ مبني للمجهول، ما قال: غير الذين غضبت عليهم، تعليماً للأدب في الخطاب، ولذلك قالت الجن*وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا سورة الجن10ففي الرشد والأمر الحسن جاء التعبير*أَرَادَمباشر، في نسبة ذلك إليه، وفي الشر*أُرِيدَ،*أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِي الْأَرْضِ فجاء التعبير بالمبني للمجهول، مع أن الله هو الذي أراد في الحالين، لكن أدب الخطاب، قال الخليل:الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ سورة الشعراء78-79.فنسب الفعل إلى الله مباشرة لما كانت أشياء طيبة: خلقني، يهديني، يطعمني، يسقيني، قال:*وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ سورة الشعراء80. ما قال: يمرضني، إذا أمرضني، وإنما قال:*وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِين ِوالشفاء أمر طيب فأضافه مباشرة إلى الله،