جناية التغريب على شهاداتنا العليا
عبدالله بن بخيت
إذا أردنا أن نفهم الأمور على حقيقتها فعلينا أن نردها إلى أصلها. نردها إلى المنبع الذي تخلقت فيه.
قلت في مقالة سابقة إن كل النظم التي نسير على هديها اليوم تمد جذورها لترتوي من فترة السبعينيات من القرن الماضي. تحدثت عن القوانين والعلاقات الإدارية وضربت بمثلين ولم اذهب غويطا لقصر المقالة.
كان يمكن أن أصل إلى أصل الأشياء كلها. أؤمن تمام الايمان أن كل شيء تراه حديثا او يقترب من الحداثة بدأ في تلك الفترة التي انقلب فيها المزاج. انقلب من الضعف إلى القوة ومن السكون إلى النشاط، وتشكل في قلوب الناس املا لا حدود له. كل شيء كان واعدا.. بدأت الأموال تتدفق بين الناس او هكذا توهموا وبدأ القوم يسمعون لأول مرة في تاريخهم بالملايين والمليارات والمشاريع، وبدأت نغمة أول وأكبر شيء في الشرق الأوسط ترن في الآذان. انتفخ الإنسان آنذاك وحلق كالبالونة حتى بلغ ذرى النجوم. دخل المجتمع معركة الأحلام دون تجارب مع الأحلام الكبيرة. يستخدمون مخزون احلامهم أيام الفقر لتعبئة أحلام الثراء.
كان الكريم يخطط لأن يمتلك مدخنة قطرها ثلاثة أمتارر ودلة بعشر ثعبات. والآخر قبل أن يستخرج السجل التجاري بدأ يخطط للزواج بأربع على أن يضع كل واحدة في قصر مستقل مع عيالها تحقيقاً للعدل.
وهناك من شرع في تنفيذ الاحلام قبل ان تتحقق ويمكنك ان تشاهد ذريته يملأون سجون اليوم. في زحمة حمم الثراء والتقدم والزواج بأربع كانت حمى العلم والتعلم وامتلاك الشهادة العليا تشق طريقها بنفس القوة. انفجرت كلمة دكتور بعد تشكيل وزارة اكثر أعضائها من حملة الدكتوراه. من لا رغبة له في مدخنة قطرها ثلاثة أمتار أو الزواج من اربع مع تعهد ان يضع كل واحدة في قصر مستقل من باب العدل يمكنه ان يطمح في المنصب بمجرد أن يحضر شهادة اسمها الدكتوراه.
بدأنا والحق يقال بشهادات صحيحة احضرها أصحابها من أمريكا وبريطانيا ومصر. هؤلاء الرواد استفادوا من الرعب الذي زرعه في قلوبهم الأستاذ وليد الفلسطيني بلهيب خيازرينه كل يوم في طابور المدرسة الصباحي. مضت الأمور جيدا في السنوات الأولى حتى جرى اكتشاف شيء اسمه تحقيق المخطوطات. بعضها مخطوطات لا تستحق أن تكون سفرة لكبسة رز بخاري. نفس المخطوطة يتناوب على تحقيقها عشرات الطموحين المنتهين بلقب دكتور. ثم دخل على الخط تجار الشهادات في بعض الدول العربية الشقيقة. من يظن أن الحصول على شهادة دكتوراه بالمراسلة بدأت مع جامعات وهمية أمريكية او بريطانية عليه أن يعرف أن هذا الفن عربي نفطي أصيل ولله الحمد .
بدأ من جامعات عربية رسمية. كانت الشهادة العليا تصلك وأنت في بيتك في الرياض او في جدة. إذا حبيت توريهم وجهك كل ثلاثة اشهر خير وبركة اما إذا كنت مشغولا فعذرك معك. لكن يفضل أن تقضي ثلاثة إلى أربعة أشهر قبل (التسليم والاستلام) في شقة مفروشة قريبة من الجامعة لسد باب النميمة والحسد. شقة تتوفر فيها كل أسباب الراحة والاستجمام مع ضيوف من اللي يحبهم قلبك عدا كرسي او طاولة للكتابة. كانت الأمور تسير مع جامعاتنا العربية من حسن إلى أحسن ولكن بهرج الأسماء الغربية غرر بأبنائنا وبناتنا من طلبة العلم فذهبوا يشترون شهاداتهم من جامعات اسمها كولومبس وما أدراك ما كولومبس. لا نملك إلا ان نقول قاتل الله التغريب وأهله.
*********************************************
مقال راااااائع في الصميم*