العملُ حاجة إنما الكدّ ثروة
عبد الله إبراهيم الكعيد
منذ فجر التاريخ عرف الإنسان (أنثى، ذكر) أن لا حياة بلا عمل فشمّر عن ساعديه وعمّر الأرض. لن أُعطي أيّ اهتمام لتلك الأصوات المستنكرة لعمل المرأة ومشاركتها في البناء فهذا أمر قد حُسِم بعد إدراك المجتمع للصورة الحقيقيّة للحياة السويّة وليست تلك المزيفة التي حاول البعض إيهامنا بها. لهذا سيكون حديثي هنا عن الجنسين الأنثى والذكر.
أذكر أن تمت دعوتي قبل سنوات للمشاركة في برنامجٍ على إحدى المحطات الفضائية يتمحور الحديث فيه عن سعودة قطاع النقل البريّ في المملكة. كان الضيف الرئيس في البرنامج أحد المستثمرين السعوديين في شركات الأجرة الخاصة (الليموزين). كانت وتيرة الحديث تسير بشكل مُعتاد إلى أن قال صاحبنا المُستثمر بما معناه ان السعودي لا يقبل الانخراط بالأعمال (الوضيعة) مثل هذه المهنة أي سائق سيارة أجرة..! استفزّتني هذه النبرة من التعالي على قيمة العمل ورفضت هذا المفهوم الذي سيجعلنا فيما لو تبنّاه أفراد المجتمع نرتكس في أسر الأيدي العاملة الوافدة بشكل مستديم وكأنه قدر لا يمكن تغييره.
تكررت الحكاية ولكن بشكل معاكس فقد تابعت مؤخرا بالصدفة برنامجاً على القناة الأولى في التلفزيون السعودي يطرح قيمة العمل في المهن البسيطة التي لا تحتاج إلى مؤهلات دراسية ولا إلى مهارات متميزة. أجرى البرنامج لقاءات مع مجموعة من الشباب لم ينكر أيّ منهم العمل مهما كانت طبيعته ما دام الإنسان يقبل به ويحقق تطلعاته بحياة كريمة. أرجو ألاّ يفهمني أحد بأنني أدفع الشباب المتخصص والمؤهل للقبول بأي عمل والسلام، كلاّ ليس هذا ما عنيته إنما أقصد من لا يحمل أي مؤهلات ولا يُجيد مهارات معينة خصوصاً ممن تسربوا من التعليم مبكراً في الصفوف الأولى فهل نطلب من مثل هؤلاء أن يمارسوا التسول أو استجداء الجمعيات الخيريّة أم الأفضل أن نُهيئ لهم الفرص للعمل في مهن تناسب قدراتهم بدلاً من كثيرٍ من الوافدين الذين يتعلمون الحلاقة في رؤوسنا كما يُقال.
أختم بقصّة قرأتها في كتاب "طريقتنا في التفكير: فلسفة الحياة الصينية" منشورات الدار العربية للعلوم ناشرون ط 1/ 2010م حول كيفية بلوغ رجل صيني اسمه لي كا- شينغ أن يكون أغنى شخص في الصين. في مرحلة شبابهِ المُبكّر كان "لي" يعمل بائعاً متدرباً في مصنع مطاط وكان مدركاً بشدّة لحقيقة أنه إذا أراد أن يكون بائعاً ناجحاً فعليه أن يكون كادّا في عمله. عندما كان الآخرون يعملون لثماني ساعات في اليوم، كان "لي" يعمل لست عشرة ساعة وبهذه الطريقة وخلال عام واحد فقط تفوّق على جميع البائعين في الشركة وليصبح الأعلى كسباً فيهم. كان دائماً يقول بأنه يقوم بكل عمل يوكل إليه بإخلاص ويعتبره عملهُ الشخصي وليس مجرّد عمل لسيّد العمل. بهذه الرؤية تدرّج في سلّم النجاح حتى أصبح أغنى رجل في الصين.
************************************************** ******
محك الرجال صغائر الأعمال0
(افلاطون)