احمد السندى
07-15-2008, 07:29 PM
قيس ولبنى
وجدت في كتاب الأغاني الكبير، لأبي الفرج المعروف بالأصبهاني، الذي أجاز لي روايته، في جملة [ما أجازه لي، أخبار قيس بن ذريح الليثي، فقال في صدرها: أخبرني بخبر قيس بن ذريح ولبنى امرأته، جماعة من مشايخنا، في قصص متصلة ومتقطعة،
قالوا جميعاً: كان منزل في ظاهر المدينة لذريح، وهو أبو قيس، وكان هو وأبوه من حاضرة المدينة.
فمر قيس في بعض حوائجه، ذات يوم، بحي من بني كعب بن خزاعة، والحي خلوف، فوقف على خباء لبنى بنت الحباب الكعبية، واستسقى ماء، فسقته، وخرجت إليه به، وكانت امرأة مديدة القامة، شهلاء، حلوة المنظر والكلام، فلما رآها وقعت في نفسه، وشرب من الماء.
فقالت له: أتنزل عندنا ؟ قال: نعم، فنزل بهم، وجاء أبوها، فنحر له وأكرمه.
وانصرف قيس، وفي قلبه من لبنى حر لا يطفأ، فجعل ينطق بالشعر فيها حتى شاع خبره، وروي شعره فيها.
وأتاها يوماً آخر، وقد اشتد وجده بها، فسلم، فظهرت له، وردت سلامه، ورحبت به، فشكى إليها ما يجد بها، وما يلقى من حبها، فبكت وشكت إليه مثل ذلك، فعرف كل واحد منهما، ما له عند صاحبه.
ثم انصرف إلى أبيه، فأعلمه بحاله، وسأله أن يزوجه إياها، فأبى عليه، وقال له: يا بني عليك بإحدى بنات عمك، فهن أحق بك، وكان ذريح كثير المال، وأحب أن لا يخرج ماله إلى غريبة.
فانصرف قيس، وقد ساءه ما خاطبه به أبوه، فأتى أمه وشكى ذلك إليها، واستعان بها على أبيه، فلم يجد عندها ما يحب.
فأتى الحسين بن علي، رضى الله عليهما، فشكى ما به، فقال له الحسين: أنا أكفيك.
فمضى معه إلى أبي لبنى، فلما بصر به، وثب إليه، وأعظمه، وقال: يا ابن بنت رسول الله، ما جاء بك إلي ؟ ألا بعثت إلي فآتيك ؟ قال: قد جئتك خاطباً ابنتك لبنى، لقيس بن ذريح، وقد عرفت مكانه مني.
فقال: يا ابن بنت رسول الله، ما كنت لأعصى لك أمراً، وما بنا عن الفتى رغبة، ولكن أحب الأمرين إلينا، أن يخطبها ذريح علينا، وأن يكون ذلك عن أمره، فإنا نخاف أن يسمع أبوه بهذا، فيكون عاراً ومسبة علينا.
فأتى الحسين سلام الله عليه ذريحاً، وقومه مجتمعون، فقاموا إليه وقالوا له مثل قول الخزاعي.
فقال: يا ذريح، أقسمت عليك بحقي، إلا خطبت لبنى لابنك قيس.
فقال: السمع والطاعة لأمرك.
وخرج معه في وجوه قومه، حتى أتى حي لبنى، فخطبها ذريح من أبيها على ابنه قيس، فزوجه بها، وزفت إليه.
فأقام معها مدة، لا ينكر أحدهما من صاحبه شيئاً.
وكان قيس أبر الناس بأمه، فألهته لبنى وعكوفه عليها عن بعض ذلك، فوجدت أمه في نفسها، وقالت: لقد شغلت هذه المرأة ابني عن بري.
ولم تر للكلام موضعاً حتى مرض قيس مرضاً شديداً، فلما برئ، قالت أمه لأبيه: لقد خشيت أن يموت قيس ولم يترك خلفاً، وقد حرم الولد من هذه المرأة، وأنت ذو مال، فيصير مالك إلى الكلالة، فزوجه غيرها، لعل الله عز وجل يرزقه ولداً، وألحت عليه في ذلك.
فأمهل ذريح حتى اجتمع قومه، ثم قال له: يا قيس، إنك اعتللت هذه العلة ولا ولد لك، ولا لي سواك، وهذه المرأة ليست بولود، فتزوج إحدى بنات عمك لعل الله تعالى أن يهب لك ولداً تقر به عينك وأعيننا.
فقال قيس: لست متزوجاً غيرها أبداً.
فقال أبوه: يا بني، فإن مالي كثير، فتسر بالإماء.
فقال: ولا أسوؤها بشيء أبداً.
قال أبوه: فإني أقسم عليك إلا طلقتها.
فأبى، وقال: الموت- والله- أسهل علي من ذلك، ولكني أخيرك خصلة من خصال.
فقال: وما هي ؟ قال: تتزوج أنت، فلعل الله عز وجل أن يرزقك ولداً غيري.
فقال: ما في فضل لذلك.
قال: فدعني أرحل عنك بأهلي، وأصنع ما كنت صانعاً، لو كنت مت في علتي هذه.
فقال: ولا هذا.
قال: فادع لبنى عندك، وأرتحل عنك إلى أن أسلوها، فإني ما تحب نفسي أن أعيش، وتكون لبنى غائبة عني أبداً، وأن لا تكون في حبالي.
فقال: لا أرضى بذلك، أو تطلقها، وحلف لا يكنه سقف بيت أبداً، حتى يطلق لبنى.
وكان يخرج فيقف في حر الشمس، ويجيء قيس فيقف إلى جانبه، فيظله بردائه، ويصلى هو بحر الشمس، حتى يفيء الفيء عنه، وينصرف إلى لبنى، فيعانقها، ويبكي، وتبكي معه.
وتقول له: يا قيس، لا تطع أباك، فتهلك، وتهلكني معك.
فيقول لها: ما كنت لأطيع أحداً فيك أبداً.
فيقال: إنه مكث كذلك سنة، ثم طلقها لأجل والده، فلم يطق الصبر عنها.
قال إبراهيم بن يسار الرمادي، عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، قال: قال الحسين بن علي رضى الله عنهما لذريح أبي قيس: أحل لك أن فرقت بين قيس ولبنى، أما أني سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه، يقول: ما أبالي فرقت بين الرجل وامرأته، أو مشيت إليهما بالسيف.
قال أبو الفرج : عن ليث بن عمرو، أنه سمع قيس بن ذريح يقول ليزيد بن سليمان: هجرني أبواي، إثنتي عشرة سنة، أستأذن عليهما، فيرداني، حتى طلقتها.
قالوا: فلما بانت لبنى منه، بطلاقه إياها، وفرغ من الكلام، لم يلبث حتى استطير عقله، ولحقه مثل الجنون، وجعل يبكي وينشج أحر نشيج، وبلغها الخبر، فأرسلت إلى أبيها ليحملها، وقيل: أقامت حتى انقضت عدتها، وقيس يدخل إليها، فأرسلت إلى أبيها ليحملها، فأقبل أبوها بهودج على ناقة، ومعه إبل، ليحمل أثاثها.
فلما رأى قيس ذلك، أقبل على جاريتها، وقال: ويحك، ما دهاني فيكم ? فقالت: لا تسألني، وسل لبنى.
فذهب ليلم بخبائها، فمنعه قومها، وأقبلت عليه امرأة من قومها، وقالت: ويحك تسأل، كأنك جاهل أو متجاهل، هذه لبنى ترحل الليلة أو غداً.
فسقط مغشياً عليه، ثم أفاق، وبكى بكاءً كثيراً، ثم أنشأ يقول :
وإنّي لمفنٍ دمع عيني بالبكا =حذار الذي قد كان أو هو كائن
وقالوا غداً أو بعد ذاك بليلة =فراق حبيب لم يبن وهو بائن
وما كنت أخشى أن تكون منيّتي =بكفّيك إلاّ أنّ ما حان حائن
ثم قالوا: فلما ارتحل بها أبوها إلى قومها، أتبعها ملياً، ثم علم أن أباها يسوءه أن يسير معها، ويمنعه ذلك، فوقف ينظر إليها ويبكي، حتى غابوا عن عينيه، فكر راجعاً، فنظر إلى أثر خف بعيرها، فأكب عليه يقبله، ورجع يقبل موضع مجلسها، وأثر قدميها،فلامه قومه على ذلك، وعنفوه في تقبيل التراب، فقال:
وما أحببت أرضكم ولكن =أقبّل إثر من وطئ الترابا
لقد لاقيت من كلفي بلبنى =بلاءً ما أسيغ له شرابا
إذا نادى المنادي بأسم لبنى =عييت فما أطيق له جوابا
ثم اعتل علة أشرف منها على الموت، فجمع له أبوه فتيات الحي يعللنه، ويحدثنه، طمعاً في أن يسلو عن لبنى، ويعلق بواحدة منهن، فيزوجه منها، فلم يفعل، وقصة له مع طبيب أحضر له، وقطع شعر كثيرة لقيس في خلال ذلك.
ثم إن أبا لبنى شكا قيساً إلى معاوية بن أبي سفيان، وذكر تعرضه لها بعد الطلاق.
فكتب معاوية إلى مروان بن الحكم بهدر دمه إن تعرض لها، فكتب مروان بذلك إلى صاحب الماء.
ثم إن أباها زوجها، فبلغ ذلك قيساً، فاشتد جزعه، وجعل يبكي أشد بكاء، وأتى حلة قومها، فنزل عن راحلته، وجعل يتعمد في موضعها، ويمرغ خده على ترابها، ويبكي أحر بكاء، ثم قال قصيدته التي رواها أبو الفرج، التي أولها:
إلى اللّه أشكو فقد لبنى كما شكا =إلى اللّه فقد الوالدين يتيم
وذكر بعد هذا أخباراً له وعلة أخرى لحقت قيساً، واشتهارهما، وافتضاحهما، وما لحق قيساً ولبنى من الخبل، واختلال العقل، وقطع شعر كثيرة لقيس أيضاً في خلال ذلك، وأن قيساً مضى إلى ابن أبي عتيق، فمضى به إلى يزيد بن معاوية، ومدحه وشكى إليه ما جرى عليه، فرق له، ورحمه، وأخذ له كتاب أبيه بأن يقيم حيث أحب، ولا يعترض له أحد، وأزال ما كتب به إلى مروان، من هدر دمه .
وذكر القحذمي: أن ابن أبي عتيق، سار إلى الحسين بن علي، وجماعة من قريش وقال لهم: إن لي حاجة أحب أن تقضوها، وأنا أستعين بجاهكم وأموالكم عليها.
قالوا: ذلك مبذول لك منا، فاجتمعوا بيوم وعدهم فيه، فمضى بهم إلى زوج لبنى، فلما رآهم، أعظم مسيرهم إليه، وأكبره.
فقالوا: قد جئناك بأجمعنا في حاجة لابن أبي عتيق.
فقال: هي مقضية كائنة ما كانت.
فقال له ابن أبي عتيق: قد قضيتها كائنة ما كانت ؟ قال: نعم.
قال: تهب لي اليوم لبنى زوجتك، وتطلقها ثلاثاً.
قال: فإني أشهدكم أنها طالق ثلاثاً.
فاستحيا القوم، واعتذروا، وقالوا: والله، ما عرفنا حاجته، ولو علمنا أنها هذه، ما سألناك إياها.
قال ابن أبي عائشة: فعوضه الحسين بن علي عن ذلك مائة ألف درهم.
وحمل ابن أبي عتيق، لبنى معه، فلم تزل عنده، حتى انقضت عدتها، وسأل القوم أباها، فزوجها قيساً، ولم تزل معه حتى مات.
فقال قيس يمدح ابن أبي عتيق:
جزى الرحمن أفضل ما يجازي =على الإحسان خيراً من صديق
فقد جرّبت إخواني جميعاً =فما ألفيت كابن أبي عتيق
سعى في جمع شملي بعد صدع =ورأي حدت فيه عن الطريق
وأطفأ لوعة كانت بقلبي =أغصّتني حرارتها بريقي
قال: فقال له ابن أبي عتيق: ياقيس، أمسك عن هذا الحديث، فما سمعه أحد إلا ظنني قواداً.
المصدر : الفرج بعد الشده - القاضى المحسن بن على التنوخى
وجدت في كتاب الأغاني الكبير، لأبي الفرج المعروف بالأصبهاني، الذي أجاز لي روايته، في جملة [ما أجازه لي، أخبار قيس بن ذريح الليثي، فقال في صدرها: أخبرني بخبر قيس بن ذريح ولبنى امرأته، جماعة من مشايخنا، في قصص متصلة ومتقطعة،
قالوا جميعاً: كان منزل في ظاهر المدينة لذريح، وهو أبو قيس، وكان هو وأبوه من حاضرة المدينة.
فمر قيس في بعض حوائجه، ذات يوم، بحي من بني كعب بن خزاعة، والحي خلوف، فوقف على خباء لبنى بنت الحباب الكعبية، واستسقى ماء، فسقته، وخرجت إليه به، وكانت امرأة مديدة القامة، شهلاء، حلوة المنظر والكلام، فلما رآها وقعت في نفسه، وشرب من الماء.
فقالت له: أتنزل عندنا ؟ قال: نعم، فنزل بهم، وجاء أبوها، فنحر له وأكرمه.
وانصرف قيس، وفي قلبه من لبنى حر لا يطفأ، فجعل ينطق بالشعر فيها حتى شاع خبره، وروي شعره فيها.
وأتاها يوماً آخر، وقد اشتد وجده بها، فسلم، فظهرت له، وردت سلامه، ورحبت به، فشكى إليها ما يجد بها، وما يلقى من حبها، فبكت وشكت إليه مثل ذلك، فعرف كل واحد منهما، ما له عند صاحبه.
ثم انصرف إلى أبيه، فأعلمه بحاله، وسأله أن يزوجه إياها، فأبى عليه، وقال له: يا بني عليك بإحدى بنات عمك، فهن أحق بك، وكان ذريح كثير المال، وأحب أن لا يخرج ماله إلى غريبة.
فانصرف قيس، وقد ساءه ما خاطبه به أبوه، فأتى أمه وشكى ذلك إليها، واستعان بها على أبيه، فلم يجد عندها ما يحب.
فأتى الحسين بن علي، رضى الله عليهما، فشكى ما به، فقال له الحسين: أنا أكفيك.
فمضى معه إلى أبي لبنى، فلما بصر به، وثب إليه، وأعظمه، وقال: يا ابن بنت رسول الله، ما جاء بك إلي ؟ ألا بعثت إلي فآتيك ؟ قال: قد جئتك خاطباً ابنتك لبنى، لقيس بن ذريح، وقد عرفت مكانه مني.
فقال: يا ابن بنت رسول الله، ما كنت لأعصى لك أمراً، وما بنا عن الفتى رغبة، ولكن أحب الأمرين إلينا، أن يخطبها ذريح علينا، وأن يكون ذلك عن أمره، فإنا نخاف أن يسمع أبوه بهذا، فيكون عاراً ومسبة علينا.
فأتى الحسين سلام الله عليه ذريحاً، وقومه مجتمعون، فقاموا إليه وقالوا له مثل قول الخزاعي.
فقال: يا ذريح، أقسمت عليك بحقي، إلا خطبت لبنى لابنك قيس.
فقال: السمع والطاعة لأمرك.
وخرج معه في وجوه قومه، حتى أتى حي لبنى، فخطبها ذريح من أبيها على ابنه قيس، فزوجه بها، وزفت إليه.
فأقام معها مدة، لا ينكر أحدهما من صاحبه شيئاً.
وكان قيس أبر الناس بأمه، فألهته لبنى وعكوفه عليها عن بعض ذلك، فوجدت أمه في نفسها، وقالت: لقد شغلت هذه المرأة ابني عن بري.
ولم تر للكلام موضعاً حتى مرض قيس مرضاً شديداً، فلما برئ، قالت أمه لأبيه: لقد خشيت أن يموت قيس ولم يترك خلفاً، وقد حرم الولد من هذه المرأة، وأنت ذو مال، فيصير مالك إلى الكلالة، فزوجه غيرها، لعل الله عز وجل يرزقه ولداً، وألحت عليه في ذلك.
فأمهل ذريح حتى اجتمع قومه، ثم قال له: يا قيس، إنك اعتللت هذه العلة ولا ولد لك، ولا لي سواك، وهذه المرأة ليست بولود، فتزوج إحدى بنات عمك لعل الله تعالى أن يهب لك ولداً تقر به عينك وأعيننا.
فقال قيس: لست متزوجاً غيرها أبداً.
فقال أبوه: يا بني، فإن مالي كثير، فتسر بالإماء.
فقال: ولا أسوؤها بشيء أبداً.
قال أبوه: فإني أقسم عليك إلا طلقتها.
فأبى، وقال: الموت- والله- أسهل علي من ذلك، ولكني أخيرك خصلة من خصال.
فقال: وما هي ؟ قال: تتزوج أنت، فلعل الله عز وجل أن يرزقك ولداً غيري.
فقال: ما في فضل لذلك.
قال: فدعني أرحل عنك بأهلي، وأصنع ما كنت صانعاً، لو كنت مت في علتي هذه.
فقال: ولا هذا.
قال: فادع لبنى عندك، وأرتحل عنك إلى أن أسلوها، فإني ما تحب نفسي أن أعيش، وتكون لبنى غائبة عني أبداً، وأن لا تكون في حبالي.
فقال: لا أرضى بذلك، أو تطلقها، وحلف لا يكنه سقف بيت أبداً، حتى يطلق لبنى.
وكان يخرج فيقف في حر الشمس، ويجيء قيس فيقف إلى جانبه، فيظله بردائه، ويصلى هو بحر الشمس، حتى يفيء الفيء عنه، وينصرف إلى لبنى، فيعانقها، ويبكي، وتبكي معه.
وتقول له: يا قيس، لا تطع أباك، فتهلك، وتهلكني معك.
فيقول لها: ما كنت لأطيع أحداً فيك أبداً.
فيقال: إنه مكث كذلك سنة، ثم طلقها لأجل والده، فلم يطق الصبر عنها.
قال إبراهيم بن يسار الرمادي، عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، قال: قال الحسين بن علي رضى الله عنهما لذريح أبي قيس: أحل لك أن فرقت بين قيس ولبنى، أما أني سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه، يقول: ما أبالي فرقت بين الرجل وامرأته، أو مشيت إليهما بالسيف.
قال أبو الفرج : عن ليث بن عمرو، أنه سمع قيس بن ذريح يقول ليزيد بن سليمان: هجرني أبواي، إثنتي عشرة سنة، أستأذن عليهما، فيرداني، حتى طلقتها.
قالوا: فلما بانت لبنى منه، بطلاقه إياها، وفرغ من الكلام، لم يلبث حتى استطير عقله، ولحقه مثل الجنون، وجعل يبكي وينشج أحر نشيج، وبلغها الخبر، فأرسلت إلى أبيها ليحملها، وقيل: أقامت حتى انقضت عدتها، وقيس يدخل إليها، فأرسلت إلى أبيها ليحملها، فأقبل أبوها بهودج على ناقة، ومعه إبل، ليحمل أثاثها.
فلما رأى قيس ذلك، أقبل على جاريتها، وقال: ويحك، ما دهاني فيكم ? فقالت: لا تسألني، وسل لبنى.
فذهب ليلم بخبائها، فمنعه قومها، وأقبلت عليه امرأة من قومها، وقالت: ويحك تسأل، كأنك جاهل أو متجاهل، هذه لبنى ترحل الليلة أو غداً.
فسقط مغشياً عليه، ثم أفاق، وبكى بكاءً كثيراً، ثم أنشأ يقول :
وإنّي لمفنٍ دمع عيني بالبكا =حذار الذي قد كان أو هو كائن
وقالوا غداً أو بعد ذاك بليلة =فراق حبيب لم يبن وهو بائن
وما كنت أخشى أن تكون منيّتي =بكفّيك إلاّ أنّ ما حان حائن
ثم قالوا: فلما ارتحل بها أبوها إلى قومها، أتبعها ملياً، ثم علم أن أباها يسوءه أن يسير معها، ويمنعه ذلك، فوقف ينظر إليها ويبكي، حتى غابوا عن عينيه، فكر راجعاً، فنظر إلى أثر خف بعيرها، فأكب عليه يقبله، ورجع يقبل موضع مجلسها، وأثر قدميها،فلامه قومه على ذلك، وعنفوه في تقبيل التراب، فقال:
وما أحببت أرضكم ولكن =أقبّل إثر من وطئ الترابا
لقد لاقيت من كلفي بلبنى =بلاءً ما أسيغ له شرابا
إذا نادى المنادي بأسم لبنى =عييت فما أطيق له جوابا
ثم اعتل علة أشرف منها على الموت، فجمع له أبوه فتيات الحي يعللنه، ويحدثنه، طمعاً في أن يسلو عن لبنى، ويعلق بواحدة منهن، فيزوجه منها، فلم يفعل، وقصة له مع طبيب أحضر له، وقطع شعر كثيرة لقيس في خلال ذلك.
ثم إن أبا لبنى شكا قيساً إلى معاوية بن أبي سفيان، وذكر تعرضه لها بعد الطلاق.
فكتب معاوية إلى مروان بن الحكم بهدر دمه إن تعرض لها، فكتب مروان بذلك إلى صاحب الماء.
ثم إن أباها زوجها، فبلغ ذلك قيساً، فاشتد جزعه، وجعل يبكي أشد بكاء، وأتى حلة قومها، فنزل عن راحلته، وجعل يتعمد في موضعها، ويمرغ خده على ترابها، ويبكي أحر بكاء، ثم قال قصيدته التي رواها أبو الفرج، التي أولها:
إلى اللّه أشكو فقد لبنى كما شكا =إلى اللّه فقد الوالدين يتيم
وذكر بعد هذا أخباراً له وعلة أخرى لحقت قيساً، واشتهارهما، وافتضاحهما، وما لحق قيساً ولبنى من الخبل، واختلال العقل، وقطع شعر كثيرة لقيس أيضاً في خلال ذلك، وأن قيساً مضى إلى ابن أبي عتيق، فمضى به إلى يزيد بن معاوية، ومدحه وشكى إليه ما جرى عليه، فرق له، ورحمه، وأخذ له كتاب أبيه بأن يقيم حيث أحب، ولا يعترض له أحد، وأزال ما كتب به إلى مروان، من هدر دمه .
وذكر القحذمي: أن ابن أبي عتيق، سار إلى الحسين بن علي، وجماعة من قريش وقال لهم: إن لي حاجة أحب أن تقضوها، وأنا أستعين بجاهكم وأموالكم عليها.
قالوا: ذلك مبذول لك منا، فاجتمعوا بيوم وعدهم فيه، فمضى بهم إلى زوج لبنى، فلما رآهم، أعظم مسيرهم إليه، وأكبره.
فقالوا: قد جئناك بأجمعنا في حاجة لابن أبي عتيق.
فقال: هي مقضية كائنة ما كانت.
فقال له ابن أبي عتيق: قد قضيتها كائنة ما كانت ؟ قال: نعم.
قال: تهب لي اليوم لبنى زوجتك، وتطلقها ثلاثاً.
قال: فإني أشهدكم أنها طالق ثلاثاً.
فاستحيا القوم، واعتذروا، وقالوا: والله، ما عرفنا حاجته، ولو علمنا أنها هذه، ما سألناك إياها.
قال ابن أبي عائشة: فعوضه الحسين بن علي عن ذلك مائة ألف درهم.
وحمل ابن أبي عتيق، لبنى معه، فلم تزل عنده، حتى انقضت عدتها، وسأل القوم أباها، فزوجها قيساً، ولم تزل معه حتى مات.
فقال قيس يمدح ابن أبي عتيق:
جزى الرحمن أفضل ما يجازي =على الإحسان خيراً من صديق
فقد جرّبت إخواني جميعاً =فما ألفيت كابن أبي عتيق
سعى في جمع شملي بعد صدع =ورأي حدت فيه عن الطريق
وأطفأ لوعة كانت بقلبي =أغصّتني حرارتها بريقي
قال: فقال له ابن أبي عتيق: ياقيس، أمسك عن هذا الحديث، فما سمعه أحد إلا ظنني قواداً.
المصدر : الفرج بعد الشده - القاضى المحسن بن على التنوخى